القدس في يوم الأرض
آذار 2007
في يوم الأرض اليوم الذي كان منذ بداية المؤامرة على الأرض وغزو الأرض منذ أكثر من مائة عام، اليوم الذي يتجدد طالما هناك غاز أو محتل على الأرض، اليوم الذي عمده الشهداء أحفاد القسام وفاطمة خليل غزال بدمائهم مجدداً في ديرحنا وسخنين وعرابة، واليوم يعمده الشهداء في جنين ورفح والخليل، كل ذلك يؤكد أن الأرض الفلسطينية مثلت وتمثل جوهر الصراع العربي الصهيوني منذ بداية القضية الفلسطينية في جميع مراحلها : قبل قيام الكيان الاسرائيل عام 1948.وبعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 .
وحتى اليوم تمثل الأرض الفلسطينية النقطه المركزية في الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني الذي من الحظة الاولى لاحتلاله لها بل ومن قبل جعل موضوع تهويد القدس وضمها أليه هدفاً أساسيا، فأعلن أن ( القدس عاصمة أبدية وموحدة لدولة اسرائيل)في 11و28حزيران67 ، ووضع السياسات والاليات والموازنات التي بتحقيقها يضمن السيطرة الكاملة على القدس سياديا واداريا وديموغرافيا ، ويفرض على الارض واقعا يتعذر تغييره ، وهنا صرح موشيه ديان وزير الدفاع الاسرائيلي في حينه (( لقد حررت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في القدس واعددنا توحيد هذه المدينة – عاصمة إسرائيل – وعدنا إلى القدس ولن نرحل عنها مرة أخرى إلى الابد)).
التغير الديموغرافي الأول
لم يأبه الاحتلال بكل احتجاجات وقرارات المجتمع الدولي ومؤسساته ، وبعد اقل من اسبوع -11/6/1967-على الاحتلال بدأ بتغيير الطابع الديموغرافي للقدس : فهدم وشرد الالاف وسلب ونهب الارض لدرجة حرم المقدسيين اليوم من استعمال 86% من ارضهم تحت شتى الذرائع، واقام عليها 16 مستعمرة وعشرات البؤر الاستعمارية ونقل اليها اكثر من 182,000مستعمر .
هنا ارسى الاحتلال قاعدة لمحاولته تهويد القدس ، المحاولة التي جعلها فعل المقاومة الفلسطينية على مدار السنين وفعل الانتفاضة الشعبية عام 1987 محاولة عبثية ، الى ان جاءت اتفاقية بل مصيدة اوسلوا وما تلاها ، فأمعن الاحتلال في فرض واقع جديد تمثل في توسيع المستعمرات ومصادرة الارض والتطهير العرقي للمدينة من اهلها بالقوة ، قوة قانون القوة واجراءاته .
الرعب الديموغرافي
تمثل الذهنية الاستعمارية العنصرية الصهيونية والهستيريا الديموغرافية سياسةً ونهجاً للاحتلال الاسرائيلي في نفي الآخر ، نفي كل ما هو غير يهودي - جوييم – ، لتكون القدس له خالية من غيريهود ،فعزلها بحواجز عسكرية على مداخلها ، وبموجب قانون الإقامة صادر حق العيش فيها لاكثر من 6500 فلسطينياً في مدينتهم بسحب هويتهم ومعظمهم رب عائلة ، وصادر حق المواطنة – الاقامة – لأكثر من 80.000 اضطرتهم الظروف السكن خلف حواجز - حدود بلدية الاحتلال المتحركة - ، هذا اضافة لحرمانه 25.000 مقدسي فلسطيني اجبرتهم ظروف الدراسة والعمل العيش خارج وطنهم من العودة إلى مدينتهم ، وسن الاحتلال قانون يمنع لم شمل العائلة للفلسطيني ، وهذا يعني ترحيل قصري لأكثر من 20.000 وقطعهم عن عائلاتهم بحجة القانون المؤقت للجنسية .
الهدم مشروع والبناء ممنوع
وإمعانا في التطهير العرقي للمدينة سن الاحتلال تشريعات واجراءات لهدم البناء الفلسطيني (( السرطان ))في القدس بحجة البناء ( غير القانوني ) وأصبحت القاعدة : البناء ممنوع والهدم مشروع ، فهدم وصادر وأغلق واستولى على أكثر من 2000 مبنى ، وهدم في الفترة بين 2001 - 2006 ( 670) سكنا مسطحها 76.663 متراً مربعاً ، وشرد منها3628 مواطنا .
وتدعي بلدية الاحتلال محرضة أن هناك 15.000 مبنى وأحيانا 20.000 مبنى بدون ترخيص واحيانا اخرى ان هناك 28.000 ملف مخالفة بناء في ( القدس الشرقية ) ، لكن الاحتلال لم يعلن أنه جمع منهم فقط سنة 2006 اكثر من 94 ملينون شيكل بحجة مخالفات ، ولم يعلن أن حصة الفلسطيني من اوامر الهدم الفعلي 88% - وكانت سنة 2005 98% - ، وان حصة الفلسطينيين من الابنية في القدس 17% بينما هم يمثلون 34% من مجموع سكان القدس .
جدار العزل والضم نتاج ذهنية مريضة
دفع الرعب الديموغرافي الذهنية العنصرية للاحتلال إلى استبدال الحواجز العسكرية - اقامها في 30/3/1993 - بجدار العزل والضم العنصري - جدار الجيتوات - الذي يزيد طوله عن 180 كم ، يعزل القدس عن امتدادها الديموغرافي في جهاته الثلاث ، ويعزل أكثر من 100 ألف عن مدينتهم ويصادر 40.000 دونما ، ويحقق أغلبية يهوديةً بضم 12 مستعمرة تزيد وحداتها السكنية عن 60.000 ألف وحدة إلى القدس يسكنها 178.000 مستعمر يهودي ، أملا في تأمين السيطرة على الأرض والإنسان ، وفعلا خلق جدار العزل والضم للقدس وللإنسان الفلسطيني في القدس وخارجها متاعب وهموم شتى منها:-
-على الناحية الصحية: أصبح شبه مستحيل على المريض والطبيب والممرض والفني والعامل الوصول الى المستشفيات والمراكز الطبية في القدس والتي كانت تمثل قبل الإغلاق نصف مجموع ما في الاراضي المحتلة ، وحال الجدار دون وصول 68% من الطواقم الطبية إلى أماكن عملها في القرى والبلدات والمدن التي قطعها الجدار ، ومثل الجدار ضربة اقتصادية لمستشفيات وعيادات القدس ولبقية المؤسسات التي أغلقت وهاجرت ويزيد عددها عن المائة منذ الانتفاضة الاولى ، حيث أن فصل الضفة عن القدس انعكس على قدرات المستشفيات والمراكز الطبية ومستوى ادائها وكوادرها وقدرتها على الاستمرار،حيث غادرت كفائة مهنية وزاد تحكم وسيطرة شركات التامين الصحية الاسرائيلية في المجال الصحي لشعبنا ومؤسساتنا الصحية.
- وعلى الناحية التعليمية : يمثل المعلمون من خلف جدار العزل العسكري أكثر من نصف العاملين في مدارس القدس وفي بعضها تتجاوز نسبتهم 60 % ، تعذر عليهم الوصول إلى مدارسهم ، واليوم يتعذر على مدارس القدس ملىء فراغهم وخاصة الكفاءات المميزة منهم ، الأمر الذي سينعكس على مستوى التعليم والطلاب بشكل عام . كذلك فإن عددا من المدارس الخاصة التي 20 -50 % من طلابها يأتون من خلف الجدار بائت مهددة بالإغلاق لتعذر وصولهم اليها ، كما أن 72 % من الطلاب المقدسيين في الجامعات اضطروا إلى الغياب اياما عن جامعاتهم بسبب الجدار والحواجز على طريقها . لا أحد ينكر أن التعليم في القدس بشكل عام في حالة كارثية ، حيث هناك نقص 1300 غرفة صفية ، وهناك 45.000 طالب يدرسون في بيئة تعليمية غير ملائمة ، وتزيد نسبة التسرب في مدارس القدس في المرحلة الاعدادية والثانوية على 20 % وأن 23.6 % من الأطفال غير قادرين على التسجيل في المدارس لأنهم" بدون"، بدون شهادة ميلاد أو هوية ، ووصلت نسبة الطلاب في مدارس الاحتلال 56 % جراء الجدار و عدم انتظام الحياة الدراسية وبسبب عدم دفع رواتب المعلمين ، فانتقل الطلاب وانتقل معلمون الى مدارس البلدية التي كانت نتائجها الاكاديمية الأسوأ بشهادة البلدية ذاتها .
- وعلى الصعيد الاقتصادي : زاد جدار العزل الوضع الاقتصادي في القدس سوءا وتعقيدا حيث أصبحت نسبة البطالة 47 % ونسبة الفقر 60 % حسب احصائيات بلديات الاحتلال ، ولهذه النسب دلالاتها وكوارثها الحياتية اجتماعيا وصحيا وثقافيا ووطنيا ، ودمر الجدار وصادر وأضر بالأراضي الزراعية في محافظة القدس كثيرا والتي لا تزيد مساحتها عن 16.000 دونم ، وكذلك أضر بالسياحة الدينية والتاريخية التي تشكل القدس القديمة مركزها ومن يسيطر عليها يكون هو المستفيد الأول اقتصاديا .
المخطط الهيكلي الإسرائيلي للقدس 2000-2020
هو نتاج الذهنية الاستعمارية اليهودية الصهيونية العنصرية، ويهدف ( لتطوير المدينة لتكون عاصمة الدولة العبرية وتعزيز مكانتها لتكون مركز الشعب اليهودي )، يقوم المخطط على خلفية دينية وليس تنظيمية ، ينفي الآخر ( لتكون القدس كما حلم بها الآباء الاولون) ، ويعطي المخطط الحق للبلدية بهدم البناء (غير الصالح ) وهذا يهدد ابنية المدينة الأثرية والحضارية وهويتها العربية و الإسلامية ، ويهدف المخطط إلى خفض نسبة العرب إلى 12 % و ليس 23 % كما تحددت سنة 1973 ، يهدف إلى ضخ سكانها العرب بحجة أن (احيائهم مكتظة ) ووفق هذا المخطط تجري الحفريات والاعتداءات على الاماكن المقدسة والأثرية الحضارية بالأنفاق التي تخرق البلدة القديمة طولا وعرضا وتهدد الحرم الشريف بمسجديه والمباني التاريخية بالسقوط ، وعلى هذا الحال ومع الأيام سيكون لليهود مدينتهم أسفل القدس ، كذلك فإن شبكات الطرق والانفاق العنصرية التي تنهب اكثر من 8 % من من مجموع أراضي القدس وشبكة القطار الكهربائي كلها نتاج ذهنية الجيتوات - العزل - التي تمزق النسيج الديموغرافي للمجتمع الفلسطيني في القدس إلى تجمعات مبعثرة معزولة غير قابلة للتطور ، في الوقت الذي تربط فيه هذه الشبكات التجمعات الاستعمارية اليهودية بعضها ببعض .
الأداء الفلسطيني الفاشل في القدس همشها وأهلها في الأجندة الوطنية السياسية لسلطة الفلسطينية:
في يوم الأرض وفي ذكرى شهداء وجرحى وأسرى معركة الأرض تؤكد التجربة اليوم أن الأداء الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي الفاشل في القدس، وغياب المرجعية السياسية الوطنية الفاعلة ، الكفؤة والقادرة على تحمل المسؤولية ومتابعتها بأمانة وإخلاص في السنين الخمس الأخيرة بشكل خاص أدى إلى تهميش القدس وأهلها كقضية وطنية سياسية سيادية في الأجندة الوطنية السياسية لدى السلطة الوطنية الفلسطينية رئاسة وحكومة أولا ، ولدى الأحزاب والقوى السياسية والمؤسسات الأهلية ثانيا ، كل ذلك يجب أن يكون الآن محطا للتقييم الجدي ، وأن يكون ذلك الخطوة الأولى للانطلاق باستراتيجية واليات عمل ترتكز على حقوق شعبنا غير القابلة للتصرف في القدس ، تتناول بواقعية القضايا الملحة والأخطار الملحقة بالمدينة وأهلها ، وتضع القدس على أعلى سلم أولويات عملنا ، استراتيجية ترقى في أدائنا اليوم وغدا بما ويتناسب مع متطلبات المرحلة القادمة بكافة أشكالها وتحدياتها الداخلية والإقليمية والدولية .
في يوم الأرض ونحن على عتبة الأربعين عاما على احتلال القدس ومن خلال هذا اللقاء تذكر القدس الجميع : السلطة الوطنية الفلسطينية بكاملها والأحزاب و القوى السياسية والمؤسسات الاهلية بل المجتمع المدني من المجلس التشريعي حتى المواطن الفرد بتحمل مسؤولياتهم اتجاه خطورة ما يجري في القدس وضرورة التصدي لكافة المخططات الإسرائيلية في المدينة ، فالقدس العربية داخل السور التاريخي وخارجه هي الجوهر والقلب النابض للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الوطن والشتات ، وعودتها إلى أهلها الشرعيين وبسط السيادة العربية الفلسطينية عليها هي العنصر المقرر لمصير أية تسوية إسرائيلية فلسطينية ، كما هي مسألة حق العودة للاجئين ، الحق الذي لا عودة عنه .
مركز أبحاث الأراضي
30/3/2007
2007 - LRC حقوق النشر محفوظة لـ