تقديم:
يواصل المستعمرون استهداف سهل ترمسعيا الواقع إلى الشمال الشرقي من محافظة رام الله والبيرة، والذي يُعد امتداداً جغرافياً لبلدة ترمسعيا، ومن أبرز المناطق الزراعية الخصبة في المحافظة. وتُقدّر مساحة السهل بنحو 3000 دونم، ويشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، حيث يعتمد عليه عشرات المزارعين في الزراعة وتربية المواشي، إلى جانب دوره الحيوي في تعزيز الأمن الغذائي للمواطنين.
خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة الانتهاكات التي يتعرض لها السهل من قبل المستعمرين، والتي شملت تدمير المحاصيل الزراعية، وتقطيع واقتلاع الأشجار، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم. كما أُقيمت بؤرة استعمارية في المنطقة منذ نحو عامين، الأمر الذي فاقم من حدة الاعتداءات وأسهم في خلق بيئة قسرية طاردة للمواطنين أهالي المنطقة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى وجود توجهات ممنهجة للاستيلاء على أجزاء واسعة من السهل، بما يهدد استدامته كمصدر رزق رئيسي لأهالي ترمسعيا، ويضعف قدرة المزارعين على الصمود والاستمرار في استثمار أراضيهم.
تفاصيل الانتهاك:
في إطار الرصد الميداني المستمر، تُظهر المعطيات تصاعداً خطيراً ومتسارعاً في استهداف سهل ترمسعيا، من خلال سلسلة اعتداءات متكررة طالت الغطاء النباتي والبنية الزراعية في المنطقة، ففي يوم الخميس 23 نيسان 2026، أقدم مستعمرون وللمرة الثالثة على التوالي، على تنفيذ عملية تجريف واسعة خلال ساعات الليل المتأخرة، باستخدام جرافات مدنية، وبحماية مباشرة من قوات جيش الاحتلال، وبمشاركة عناصر من ما يُعرف بحراس أمن المستوطنات، وقد جرت العملية بشكل مفاجئ ومنظم، حيث تم إدخال الآليات إلى السهل وتنفيذ أعمال التجريف بصورة عشوائية استهدفت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
الأمر الذي أدى الى اقتلاع 1020 شجرة زيتون، ما يعكس نمطاً متكرراً وممنهجاً من الاستهداف التدريجي للغطاء الزراعي في المنطقة.
وتشير المؤشرات الميدانية إلى أن هذه الاعتداءات تندرج ضمن سياسة تهدف إلى فرض السيطرة الفعلية على أراضي السهل، خاصة في ظل وجود بؤرة استعمارية أُقيمت في وسطه قبل نحو عامين، الأمر الذي يعزز من احتمالات التوسع الاستعماري مستقبلاً.
وأدت هذه الاعتداءات المتواصلة إلى حرمان أكثر من 150 عائلة فلسطينية من الوصول إلى أراضيها أو استغلالها، بما يشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الملكية والعمل، ويقوض سبل العيش والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لأصحاب الأراضي والمزارعين.
الجدول التالي يبين تفاصيل الأضرار بحسب سجلات المجلس البلدي في ترمسعيا:
# | المزارع المتضرر | مساحة الأرض | عدد الأشجار |
1 | معتصم أحمد الأسمر | 6.358 | 150 |
2 | عبد الله محمد عواد | 2 | 50 |
3 | عفيف أحمد الأسمر | 2 | 50 |
4 | سمير أحمد الأسمر | 3 | 70 |
5 | ورثة المرحوم يحيى عبد الحميد عوض جبارة | 8 | 200 |
6 | عمران أحمد سلامة | 5 | 100 |
7 | يحيى عبد الحميد عوض جبارة | 10 | 180 |
8 | عرفات جمال عبد الله عوض جبارة | 2 | 20 |
9 | أحمد سلامة حزمة | 9 | 200 |
المجموع | 47.358 | 1020 | |
وأفاد المزارع والناشط عبد الله عواد دار عواد - أحد المتضررين من الاعتداءات المتكررة على سهل ترمسعيا- لباحث مركز أبحاث الأراضي:
" إن ما يجري في السهل يُمثّل استهدافاً ممنهجاً ومتكرراً للأرض والإنسان، موضحاً أن عمليات تقطيع وتجريف الأشجار للمرة الثالثة على التوالي أدت إلى تدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية الزراعية التي تشكل مصدر الرزق الأساسي لعشرات بل مئات العائلات".
وأشار إلى أن سهل ترمسعيا يحمل طابعاً تاريخياً وزراعياً عريقاً، إذ عُرف عبر الأجيال كسهل خصب يشكّل ركيزة أساسية للإنتاج الزراعي في المنطقة، ويمتاز بقيمته الحضارية والتراثية المرتبطة بهوية السكان المحليين وعلاقتهم بالأرض. وأضاف أن استهداف الأشجار، لا سيما أشجار الزيتون المعمّرة، لا يقتصر على كونه اعتداءً مادياً، بل يُعد مساساً مباشراً بالإرث الزراعي والبيئي للمنطقة.
وأكد دار عواد أن هذه الاعتداءات خلّفت آثاراً بيئية خطيرة نتيجة تدمير الغطاء النباتي والإخلال بالتوازن البيئي في السهل، إلى جانب ما تسببه من آثار نفسية عميقة لدى المزارعين، الذين يُجبرون على مشاهدة أراضيهم وأشجارهم تُجرف وتُدمّر من مسافات بعيدة، دون القدرة على التدخل أو الحماية، بفعل القيود والإجراءات المفروضة.
وأضاف أن هذا الواقع يترك انعكاسات نفسية قاسية تتجلى في الشعور بالعجز والصدمة وفقدان الأمان، خاصة لدى المزارعين الذين ارتبطت حياتهم ومعيشتهم بهذه الأرض عبر سنوات طويلة.
واختتم إفادته بالتأكيد على أن استمرار هذه الانتهاكات يهدد بشكل مباشر مستقبل الزراعة في سهل ترمسعيا، ويُسرّع من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان، في ظل غياب أي حماية فعلية للأراضي والمزارعين.
الآثار البيئية والزراعية والنفسية للانتهاك:
يشكّل سهل ترمسعيا، المعروف تاريخياً كأحد أهم السهول الزراعية المنتجة في المنطقة، ركيزة أساسية لإنتاج الخضروات وزراعة أشجار الزيتون، بما يجعله عنصراً حيوياً في المنظومة البيئية والزراعية المحلية. إلا أن تكرار عمليات تقطيع وتجريف الأشجار للمرة الثالثة على التوالي ألحق أضراراً بيئية وزراعية جسيمة، تنذر بتداعيات طويلة الأمد على استدامة هذا المورد الطبيعي.
فعلى الصعيد البيئي، أدى تدمير أعداد كبيرة من أشجار الزيتون المعمّرة إلى فقدان الغطاء النباتي بشكل ملحوظ، الأمر الذي يساهم في تسريع عمليات انجراف التربة وتدهور خصوبتها، ويُضعف قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، خاصة في ظل الطبيعة الحساسة للنظام البيئي الزراعي في المنطقة. كما أن اقتلاع الأشجار يخلّ بالتوازن البيئي، ويؤثر سلباً على التنوع الحيوي، بما يشمل الكائنات الحية الدقيقة والطيور والحشرات المرتبطة بالنظام الزراعي.
أما على الصعيد الزراعي، فإن هذا التدمير المتكرر يُفقد السهل قدرته الإنتاجية تدريجياً، خاصة أن أشجار الزيتون المستهدفة تُعد من الأشجار المعمّرة ذات القيمة الاقتصادية العالية، والتي تحتاج لسنوات طويلة حتى تعود إلى مرحلة الإنتاج. ويؤدي ذلك إلى انخفاض حاد في الإنتاج الزراعي، وتراجع في مساهمة السهل كمصدر رئيسي لتزويد الأسواق المحلية بالخضروات وزيت الزيتون، ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي والدخل الزراعي لعشرات العائلات.
ويُلاحظ أن تكرار الاعتداءات على فترات متقاربة يعزز من حالة الاستنزاف الزراعي المنهجي، حيث لا تقتصر الأضرار على الخسارة الفورية، بل تمتد لتقويض فرص إعادة التأهيل الزراعي وإعادة زراعة الأراضي المتضررة، في ظل استمرار التهديدات.
إلى جانب ذلك، خلّفت هذه الممارسات آثاراً نفسية عميقة على المزارعين، الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن حماية أراضيهم، ومجبرين على مشاهدة تدمير أشجارهم التي تمثل تاريخهم ومصدر رزقهم. وقد انعكس ذلك في مشاعر القلق وفقدان الأمان والإحباط، ما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على الاستمرار في العمل الزراعي، ويضعف ارتباطهم بالأرض في ظل بيئة تتسم بعدم الاستقرار والخطر المستمر.
وعليه، فإن استمرار هذه الانتهاكات لا يهدد فقط الغطاء النباتي والإنتاج الزراعي، بل يطال أيضاً الاستقرار البيئي والاجتماعي والنفسي للسكان، ويقوّض بشكل متسارع مقومات الصمود الزراعي في سهل ترمسعيا.
نبذة عن بلدة ترمسعيا [1]:
تقع بلدة ترمسعيا إلى الشمال الشرقي لمدينة رام الله تحديداً على مسافة 25كم عن المدينة، حيث يبلغ عدد سكانها المقيمين بالبلدة حالياً قرابة 2464 نسمة حتى عام 2017م، ويتوزعون على عائلتين رئيسيتين هما: عواد وجبارة بالإضافة إلى عائلات صغيرة من أصل لاجئ هم: شلبي، كوك، حزماوي.
تبلغ المساحة الإجمالية لبلدة ترمسعيا 18,139 دونم منها 1,350 دونم عبارة عن مسطح بناء البلدة. وتم تصنيف أراضيها إلى مناطق B والبالغة مساحتها (11,218) دونماً بينما مناطق C تبلغ مساحتها (6,921) دونماً. هذا وصادر الاحتلال من أراضي مساحات واسعة لصالح الاستيطان:
التعقيب القانوني:
إن البيئة الفلسطينية عامةً تتعرض لانتهاكات بيئية عديدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ضاربة بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية والوطنية المتعلقة بحماية الحقوق البيئية، وإن الحق بالعيش في بيئة نظيفة وسليمة هو حق لصيق بالإنسان منذ الخليقة. ودائماً ما يحاول الاحتلال الظهور بمظهر الحريص على الشؤون الدولية البيئية على الرغم من توقيعها على اتفاقيات كبرى لحماية البيئة أبرزها اتفاقية بازل عام1989م واتفاقية روتردام عام2008م واتفاقية ستوكهولم2001م واتفاقية رامسار عام 1971م، وكذلك مواثيق جودة الهواء والمناخ ورغم ذلك تقوم بانتهاك جميع هذه المعاهدات دون محاسبة أو مراقبة.
بالإضافة إلى النصوص الخاصة بحق التمتع ببيئة نظيفة وسليمة لكل من يقع تحت الاحتلال العسكري بحسب القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، كالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول / ديسمبر 1966 في المادة (1) البند (2): "...لجميع الشعوب، سعياً وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة...".
ومما لا شك فيه أن الاعتداءات التي يقوم بها الجانب الإسرائيلي تخالف قوانين "دولة الاحتلال" قبل غيرها من القوانين، وبالرجوع إلى تفاصيل هذه الحالة نجد أن قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1977م وتعديلاته قد نص على أن التعدي على ممتلكات الغير لارتكاب جريمة فعل معاقب عليه بالقانون، وبقراءة المادة 452 من قانون العقوبات الإسرائيلي نجد أن القانون يخالف من يرتكب اعتداءً أو ضرراً للممتلكات سواء ( بئر ماء، بركة ماء، سد، جدار أو بوابة فيضان بركة، أو أشجار مزروعة، جسر، خزان أو صهريج ماء) يعاقب بالسجن عليه خمس سنوات.
كما أن المادة 447 من قانون العقوبات الاسرائيلي نصت على أنه:" من فعل أي من ذلك بقصد ترهيب مالك عقار أو إهانته أو مضايقته أو ارتكاب جريمة، عقوبته السجن سنتين:
(1) يدخل أو يعبر العقار؛ (2) بعد دخوله العقار بشكل قانوني، بقي هناك بشكل غير قانوني.
(ب) تُرتكب جريمة بموجب هذا القسم عندما يحمل الجاني سلاحًا ناريًا أو سلاحًا باردًا، عقوبته هي السجن أربع سنوات".
وبقراءة نص المادتين نجد بأن قانون العقوبات الإسرائيلي جرم مجرد دخول أي شخص بدون وجه حق إلى عقار ليس بعقاره بهدف الإهانة أو المضايقة أو الترهيب ويعاقب على ذلك الفعل سنتين، وتتضاعف العقوبة عندما يدخل المعتدي ويرتكب جريمة في عقار غيره باستخدام سلاح أو أداة حادة أو حتى الاعتداء الأراضي الزراعية من قطع وحرق وتخريب، وهذا ما تم تجريمه صراحةً في نص المادة 447 من قانون العقوبات الإسرائيلي آنف الذكر، كما يعاقب 5 سنوات لمن يتسبب بضرر للممتلكات المذكورة في المادة 452 وعليه فإن المعتدي " المستعمر" يجب أن تكون مخالفته مضاعفة الأولى بالدخول لعقار ليس بعقاره والثانية بالتعدي على الأشجار المزروعة وقطعها مما تسبب بضرر بيئي كما في حالة بيت دجن.
وعليه فإن المعتدي الإسرائيلي يخالف دون أي وجه حق ما جاء في القوانين والمعاهدات الدولية، وما جاء أيضاً في قوانين "دولته" الداخلية مخالفةً صريحة، وعليه لا بد على "القضاء الإسرائيلي" محاسبة ومعاقبة المستعمرين على هذه الأفعال بموجب نصوص قوانينهم وما جاء فيها. إلا أنه لا يوجد أي مسائلة قانونية للمعتدي من قبل القضاء الإسرائيلي. ولكن هذا لا ينفي حق أي إنسان على هذه الأرض أن يعيش في بيئة نظيفة وسليمة وآمنة من أي انتهاك واعتداء ضدها.
[1] المصدر: وحدة نظم المعلومات الجغرافية – مركز أبحاث الأراضي.
مشروع: حماية الحقوق البيئية الفلسطينية في مناطق "ج" SPERAC IV - GFFO
Disclaimer: The views and opinions expressed in this report are those of Land Research Center and do not necessarily reflect the views or positions of the project donor; the Norwegian Refugee Council.
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا التقرير هي آراء ووجهات نظر مركز أبحاث الأراضي ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو مواقف الجهة المانحة للمشروع؛ المجلس النرويجي. للاجئين