شهدت بلدة قصرة الواقعة إلى الجنوب من محافظة نابلس، صباح يوم الخميس الموافق 7/5/2026، اعتداءً جديداً نفذته مجموعة من المستعمرين في منطقة “الزاوية” الواقعة إلى الشمال الشرقي من البلدة، وذلك انطلاقاً من البؤرة الاستعمارية المقامة على أراضي البلدة، وتحديداً ضمن الحوض رقم (7).
وبحسب البحث الميداني، فقد أقدم المستعمرون على تنفيذ عملية تخريب واسعة استهدفت ما يقارب 200 شجرة زيتون مثمرة ومعمّرة يتراوح عمرها ما بين 45–50 عاماً، تعود ملكيتها لأربع عائلات من البلدة. واستخدم المستعمرون مناشير كهربائية في تقطيع الأشجار والعبث بها بطريقة وصفت بالوحشية، الأمر الذي أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالأرض الزراعية وتدمير عدد كبير من الأشجار بشكل متعمد.
ويُعد هذا الاعتداء ضربة مباشرة للقطاع الزراعي في البلدة، خاصة أن أشجار الزيتون المستهدفة تشكل جزءاً من الإرث الزراعي والاقتصادي للعائلات المتضررة، حيث تعتمد عليها كمصدر دخل أساسي، إلى جانب ما تمثله من قيمة بيئية ووطنية مرتبطة بالأرض الفلسطينية.
وتشير سجلات التوثيق الميداني إلى أن هذا الاعتداء يُعتبر الثاني من نوعه خلال أقل من شهر، إذ سبق وأن نفذت مجموعة من المستعمرين في الثالث من أيار 2026 تجريف واقتلاع 400 شجرة زيتون .
فيما يلي أسماء أصحاب المزارعين المتضررين ومعلومات عنهم – بحسب المتابعة الميدانية:
المزارع المتضرر | أفراد الأسرة | عدد الإناث | عدد الأطفال | عدد أشجار الزيتون | طبيعة الضرر |
عبد العظيم أحمد محمود عودة | 4 | 2 | 0 | 84 | جزئي |
محمد عدنان عقل | 5 | 2 | 1 | 40 | جزئي |
اسماعيل رزق أبو ريدة | 7 | 4 | 2 | 55 | جزئي |
حسن جبر محمد أبو ريدة | 2 | 1 | 0 | 21 | جزئي |
المجموع | 18 | 9 | 3 | 200 |
|
وبحسب سجلات البحث الميداني لطاقم مركز أبحاث الأراضي، فإن بلدة قصرة تُعد من أكثر القرى الفلسطينية التي شهدت خلال السنوات الماضية تصعيداً ميدانياً متواصلاً من قبل المستعمرين، خاصة في المناطق الشرقية والشمالية من البلدة، حيث فقدت البلدة ما يزيد عن 45% من أراضيها نتيجة التوسع الاستيطاني وإقامة المستعمرات والبؤر الاستعمارية، وفي مقدمتها مستعمرة مجدوليم، إلى جانب عدد من البؤر الاستعمارية المنتشرة على أراضي البلدة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على مصادرة الأراضي فحسب، بل شملت أيضاً تنفيذ أعمال تخريب واسعة طالت القطاع الزراعي والبنية الريفية، تمثلت في قطع وتدمير عدد كبير من الطرق الزراعية، وإتلاف المحاصيل، وهدم الغرف الزراعية والسلاسل الحجرية، إضافة إلى الاعتداءات المتكررة التي استهدفت أشجار الزيتون حرقاً وقطعاً وتجريفاً.
وتعكس هذه الممارسات سياسة ممنهجة تهدف إلى التضييق على المزارعين الفلسطينيين ودفعهم تدريجياً إلى ترك أراضيهم الزراعية، تمهيداً لفرض واقع استيطاني جديد في المنطقة عبر توسيع نفوذ المستعمرات والبؤر الاستعمارية على حساب الأراضي الفلسطينية ومقدراتها الزراعية والبيئية.
من جهته، أفاد المزارع المتضرر عبد العظيم أحمد عودة، وهو من أكثر المزارعين المتضررين في الاعتداء الأخير، أفاد لباحث المركز بالتالي:
"تمتلك عائلتي قطعة أرض زراعية تقدر مساحتها بنحو ستة دونمات تقع في منطقة “الزاوية” شمال بلدة قصرة، وأشجار الزيتون المزروعة فيها يتجاوز عمرها 50 عاماً، وكانت تنتج في المواسم الجيدة ما لا يقل عن 25 تنكة من زيت الزيتون سنوياً".
وأضاف:
" لا تمثل هذه الأرض بالنسبة لي ولإخوتي مجرد مصدر دخل أو قطعة زراعية فحسب، بل تُعد إرثاً عائلياً متوارثاً عن الأجداد وتحمل قيمة معنوية وتاريخية كبيرة، حيث ارتبطت بذكريات الطفولة والعائلة والعمل الزراعي الممتد عبر عقود طويلة".
وأشار إلى أن منطقة “الزاوية” تُعرف بطابعها الزراعي وحقول الزيتون الممتدة فيها، إلى جانب ما تتمتع به من تنوع بيئي وطبيعة ريفية مميزة، الأمر الذي جعل علاقتهم بالأرض تتجاوز البعد الاقتصادي إلى ارتباط وجداني وهوياتي عميق.
وأوضح عودة: أن المستعمرين القادمين من البؤرة الاستعمارية التي أُقيمت في المنطقة خلال العام الماضي أقدموا على قطع أشجار الزيتون بشكل كامل وبطريقة متعمدة، الأمر الذي ألحق به وبعائلته ضرراً نفسياً ومعنوياً كبيراً، خاصة أن الأشجار المستهدفة تمثل جزءاً من تاريخ العائلة ووجودها في الأرض.
وبيّن أن الاعتداءات الاستعمارية المتكررة في البلدة أدت إلى عزل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إليها، ما جعل هذه الأرض من بين المواقع القليلة التي ما تزال العائلة تعتمد عليها في إنتاج زيت الزيتون وتأمين جزء من احتياجاتها المعيشية. وأن ما يجري يُمثل استهدافاً مباشراً للمزارعين الفلسطينيين ومحاولة ممنهجة لدفعهم بعيداً عن أراضيهم، مؤكداً أن خسارة الأشجار لم تكن خسارة اقتصادية فقط، بل مساساً بذاكرة العائلة وإرثها التاريخي المرتبط بالأرض والأجداد.
الأثر البيئي:
تسببت أعمال قطع وتجريف أشجار الزيتون في بلدة قصرة بإحداث أضرار بيئية مباشرة طالت النظام الزراعي والغطاء النباتي في المنطقة، خاصة أن الأشجار المستهدفة تُعد من الأشجار المعمرة التي تشكل جزءاً أساسياً من التوازن البيئي والطابع الريفي للبلدة. وقد أدى تدمير الأشجار إلى إضعاف الغطاء النباتي الطبيعي والزراعي، الأمر الذي يرفع من احتمالية انجراف التربة وفقدان خصوبتها، لا سيما في المناطق الجبلية والمنحدرات الزراعية المحيطة بمنطقة “الزاوية”.
كما أن استمرار الاعتداءات الاستعمارية على الأراضي الزراعية يساهم في تراجع التنوع الحيوي في المنطقة، نتيجة تدمير الموائل الطبيعية المرتبطة بالأشجار والمحاصيل الزراعية، إضافة إلى التأثير السلبي على المشهد البيئي والزراعي التاريخي الذي عُرفت به البلدة لعقود طويلة. ويؤدي هذا النوع من الانتهاكات أيضاً إلى تقويض الاستدامة الزراعية وتهديد قدرة المزارعين على الحفاظ على أراضيهم واستثمارها مستقبلاً، في ظل تكرار عمليات التجريف والتخريب والاعتداءات المنظمة على القطاع الزراعي.
التعقيب القانوني:
إن البيئة الفلسطينية عامةً تتعرض لانتهاكات بيئية عديدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ضاربة بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية والوطنية المتعلقة بحماية الحقوق البيئية، وإن الحق بالعيش في بيئة نظيفة وسليمة هو حق لصيق بالإنسان منذ الخليقة. ودائماً ما يحاول الاحتلال الظهور بمظهر الحريص على الشؤون الدولية البيئية على الرغم من توقيعها على اتفاقيات كبرى لحماية البيئة أبرزها اتفاقية بازل عام1989م واتفاقية روتردام عام2008م واتفاقية ستوكهولم2001م واتفاقية رامسار عام 1971م، وكذلك مواثيق جودة الهواء والمناخ ورغم ذلك تقوم بانتهاك جميع هذه المعاهدات دون محاسبة أو مراقبة.
بالإضافة إلى النصوص الخاصة بحق التمتع ببيئة نظيفة وسليمة لكل من يقع تحت الاحتلال العسكري بحسب القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، كالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول / ديسمبر 1966 في المادة (1) البند (2): "...لجميع الشعوب، سعياً وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة...".
ومما لا شك فيه أن الاعتداءات التي يقوم بها الجانب الإسرائيلي تخالف قوانين "دولة الاحتلال" قبل غيرها من القوانين، وبالرجوع إلى تفاصيل هذه الحالة نجد أن قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1977م وتعديلاته قد نص على أن التعدي على ممتلكات الغير لارتكاب جريمة فعل معاقب عليه بالقانون، وبقراءة المادة 452 من قانون العقوبات الإسرائيلي نجد أن القانون يخالف من يرتكب اعتداءً أو ضرراً للممتلكات سواء ( بئر ماء، بركة ماء، سد، جدار أو بوابة فيضان بركة، أو أشجار مزروعة، جسر، خزان أو صهريج ماء) يعاقب بالسجن عليه خمس سنوات.
كما أن المادة 447 من قانون العقوبات الاسرائيلي نصت على أنه:" من فعل أي من ذلك بقصد ترهيب مالك عقار أو إهانته أو مضايقته أو ارتكاب جريمة، عقوبته السجن سنتين:
(1) يدخل أو يعبر العقار؛ (2) بعد دخوله العقار بشكل قانوني، بقي هناك بشكل غير قانوني.
(ب) تُرتكب جريمة بموجب هذا القسم عندما يحمل الجاني سلاحًا ناريًا أو سلاحًا باردًا، عقوبته هي السجن أربع سنوات".
وبقراءة نص المادتين نجد بأن قانون العقوبات الإسرائيلي جرم مجرد دخول أي شخص بدون وجه حق إلى عقار ليس بعقاره بهدف الإهانة أو المضايقة أو الترهيب ويعاقب على ذلك الفعل سنتين، وتتضاعف العقوبة عندما يدخل المعتدي ويرتكب جريمة في عقار غيره باستخدام سلاح أو أداة حادة أو حتى الاعتداء الأراضي الزراعية من قطع وحرق وتخريب، وهذا ما تم تجريمه صراحةً في نص المادة 447 من قانون العقوبات الإسرائيلي آنف الذكر، كما يعاقب 5 سنوات لمن يتسبب بضرر للممتلكات المذكورة في المادة 452 وعليه فإن المعتدي " المستعمر" يجب أن تكون مخالفته مضاعفة الأولى بالدخول لعقار ليس بعقاره والثانية بالتعدي على الأشجار المزروعة وقطعها مما تسبب بضرر بيئي كما في حالة بيت دجن.
وعليه فإن المعتدي الإسرائيلي يخالف دون أي وجه حق ما جاء في القوانين والمعاهدات الدولية، وما جاء أيضاً في قوانين "دولته" الداخلية مخالفةً صريحة، وعليه لا بد على "القضاء الإسرائيلي" محاسبة ومعاقبة المستعمرين على هذه الأفعال بموجب نصوص قوانينهم وما جاء فيها. إلا أنه لا يوجد أي مسائلة قانونية للمعتدي من قبل القضاء الإسرائيلي. ولكن هذا لا ينفي حق أي إنسان على هذه الأرض أن يعيش في بيئة نظيفة وسليمة وآمنة من أي انتهاك واعتداء ضدها.
مشروع: حماية الحقوق البيئية الفلسطينية في مناطق "ج" SPERAC IV - GFFO
Disclaimer: The views and opinions expressed in this report are those of Land Research Center and do not necessarily reflect the views or positions of the project donor; the Norwegian Refugee Council.
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا التقرير هي آراء ووجهات نظر مركز أبحاث الأراضي ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو مواقف الجهة المانحة للمشروع؛ المجلس النرويجي. للاجئين