تفاصيل الإنتهاك:
أقدمت مجموعة من المستعمرين القادمين من البؤرة الاستيطانية “الجاتمة”، الواقعة على أطراف منطقة وادي قانا بالقرب من مستعمرة “كرني شمرون”، صباح يوم الجمعة الموافق 1/5/2026، على تنفيذ اعتداء واسع استهدف أراضٍ زراعية في المنطقة، طال قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 3 دونمات، تقع ضمن حوض “البَصّة” الممتد على أراضي وادي قانا.
وخلال هذا الاعتداء، قام المستعمرون بقطع وتخريب نحو أربعين شتلة زيتون بشكل كامل، تعود ملكيتها للمزارع مصلح يوسف منصور، وهو من سكان بلدة جِبْلية، ما ألحق أضراراً جسيمة بالممتلكات الزراعية وأثراً مباشراً على مصدر رزقه.
أفاد المزارع مصلح يوسف منصور، من سكان بلدة ديرستيا، بأن مجموعة من المستعمرين القادمين من بؤرة استعمارية قريبة من مستعمرة “كرني شمرون”، أقدمت صباح يوم الجمعة على الاعتداء على أرضه الزراعية الواقعة في حوض “البَصّة” ضمن أراضي وادي قانا، والتي تعود ملكيتها له بشكل قانوني، وألحق به خسائر مادية مباشرة، لا سيما وأنه يعتمد على هذه الأرض كمصدر دخل رئيسي.
وأضاف المزارع أن هذا الاعتداء لم يكن الأول من نوعه، إذ تعرّضت أرضه لعدة اعتداءات سابقة من قبل المستعمرين، الأمر الذي فاقم من حجم الأضرار المتراكمة، كما أشار إلى أن تكرار هذه الاعتداءات تركت آثاراً نفسية سلبية عليه، وأدى إلى شعوره المستمر بعدم الأمان والقلق على ممتلكاته ومصدر رزقه.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن منطقة وادي قانا تخضع لنمط متصاعد من الانتهاكات الممنهجة التي تستهدف الموارد الزراعية وسبل عيش السكان الفلسطينيين، وذلك ضمن نطاق جغرافي يتجاوز 10,000 دونم. وتُعزى هذه الانتهاكات إلى تركز سبع مستعمرات في محيط المنطقة، والتي تُسهم بشكل مباشر وغير مباشر في تكريس واقع من الضغط المستمر على الأراضي الزراعية.
وخلال السنوات الخمس الماضية، تم توثيق اقتلاع وتدمير ما يزيد عن 3,000 غرسة زيتون بشكل كلي، في مؤشر واضح على الاستهداف المنهجي للغطاء الزراعي، لا سيما في ظل الأهمية الاقتصادية والاجتماعية التي تمثلها زراعة الزيتون في المنطقة. كما تتضمن أنماط الاعتداء المتكررة عمليات تخريب متعمد للممتلكات الزراعية، وقطع الأشجار، إضافة إلى فرض قيود مشددة على وصول المزارعين إلى أراضيهم.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة، عام 2023م سُجل تصعيد ملحوظ تمثل في منع شبه كامل أو تعقيد حاد في وصول المزارعين إلى منطقة الوادي، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الأنشطة الزراعية بشكل واسع، وترك مساحات كبيرة من الأراضي دون استغلال. ويُنظر إلى هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الحيز الجغرافي للمنطقة، من خلال خلق تواصل مكاني بين المستوطنات القائمة، بما يُفضي عمليًا إلى عزل منطقة وادي قانا وتقويض استمرارية استخدامها الزراعي.
وتؤكد توثيقات مركز أبحاث الأراضي، الممتدة على مدار سنوات، أن هذه الانتهاكات ليست أحداثًا معزولة، بل تندرج ضمن نمط تراكمي من الاعتداءات ذات الأبعاد البيئية والزراعية، والتي تُفضي في مجملها إلى تدهور ملحوظ في القطاع الزراعي، وتفاقم معاناة المزارعين، وتقليص قدرتهم على الصمود والاستمرار.
الأثر البيئي:
يساهم استهداف الغطاء النباتي، ولا سيما أشجار الزيتون في منطقة وادي قانا، في إحداث خلل واضح في التوازن البيئي المحلي، حيث يؤدي اقتلاع الأشجار وتخريبها إلى إضعاف البنية البيئية وتقويض استقرار المنظومة الطبيعية في المنطقة. وتُعد أشجار الزيتون عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على خصوبة التربة والحد من الانجراف، إضافة إلى دورها في دعم التنوع الحيوي.
كما أن تدمير هذا الغطاء النباتي يُحدث تشوّهًا في المشهد الطبيعي ويُسهم في فقدان الهوية البيئية والزراعية للمنطقة، خاصة وأن وادي قانا يُصنّف كمنطقة ذات أهمية بيئية وزراعية عالية. وعليه، فإن أي استهداف ممنهج لأشجار الزيتون يُعتبر تهديدًا مباشرًا لاستدامة النظام البيئي، ويؤدي إلى آثار طويلة الأمد قد يصعب عكسها، بما في ذلك تدهور التربة، وتراجع التنوع الحيوي، وزيادة هشاشة النظام البيئي في مواجهة التغيرات المناخية
البعد القانوني:
تندرج الاعتداءات المتكررة التي تستهدف الأراضي الزراعية في منطقة وادي قانا، بما في ذلك اقتلاع أشجار الزيتون وتخريب الممتلكات ومنع وصول المزارعين إلى أراضيهم، ضمن انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني. وبصفتها قوة قائمة بالاحتلال، تتحمل إسرائيل التزامات قانونية واضحة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، لا سيما فيما يتعلق بحماية الممتلكات الخاصة وضمان سلامة السكان المدنيين.
وتنص المادة 53 من الاتفاقية على حظر تدمير الممتلكات الخاصة، إلا في حالات الضرورة العسكرية المطلقة، وهو ما لا ينطبق على حالات التخريب الممنهج للأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار. كما أن القيود المفروضة على وصول المزارعين إلى أراضيهم تُعد انتهاكًا لحق الملكية وسبل العيش، وتتناقض مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في العمل والحق في مستوى معيشي لائق.
علاوة على ذلك، فإن النمط التراكمي لهذه الانتهاكات، بما يشمل تكرار الاعتداءات ومنع الوصول وفرض واقع جغرافي يؤدي إلى عزل المنطقة، قد يرقى إلى سياسات تهدف إلى إحداث تغيير دائم في استخدام الأراضي، وهو ما يتعارض مع أحكام لوائح لاهاي التي تُلزم القوة القائمة بالاحتلال بالحفاظ على الوضع القائم وعدم إحداث تغييرات دائمة في الأراضي المحتلة.
كما يمكن النظر إلى استهداف الموارد الزراعية والبنية البيئية في المنطقة ضمن إطار أوسع من الإضرار المتعمد بالبيئة، وهو ما يتنافى مع المبادئ الدولية ذات الصلة بحماية البيئة في حالات النزاع المسلح، ويؤدي إلى آثار طويلة الأمد على السكان المدنيين.