تقديم:
تشهد قرية عورتا الواقعة جنوب شرق محافظة نابلس تحولات ميدانية عميقة في بنيتها الجغرافية والزراعية، نتيجة تصاعد السياسات الاستيطانية خلال السنوات الأخيرة، والتي تسارعت بشكل ملحوظ بعد عام 2023، وقد أدت هذه التحولات إلى إعادة تشكيل العلاقة بين السكان وأراضيهم الزراعية، عبر فرض وقائع ميدانية تقوم على المصادرة الفعلية، والإغلاق، وتقييد الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي، حيث تُظهر التقديرات أن ما يقارب 12,000 دونم من أصل 20,000 دنم من أراضي القرية أصبحت فعلياً خارج نطاق الوصول الزراعي المباشر، ولم يعد بإمكان المزارعين استخدامها أو الوصول إليها بشكل طبيعي.
تفاصيل الإنتهاك:
في نيسان 2026، رُصد قيام مجموعة من المستعمرين بإنشاء بؤرة استعمارية رعوية جديدة على مساحة تُقدّر بنحو دونمين اثنين من الأراضي الزراعية الخاصة العائدة لعائلة القوارق داخل أراضي قرية عورتا.
تقع هذه البؤرة في منطقة رأس العجل ضمن الحوض الطبيعي رقم (5) في الجهة الجنوبية الشرقية من القرية، وهي منطقة تم عزلها فعلياً منذ عام 2023، حيث بات الوصول إليها مقيداً ومحدوداً للغاية، ما جعلها خارج الاستخدام الزراعي الطبيعي.
ويُلاحظ أن موقع البؤرة يقع بالقرب من امتداد مرتبط بمستوطنة “ايتمار”، ما يشير إلى احتمال تشكل نمط توسع استيطاني تدريجي في المنطقة. ويثير هذا التطور مخاوف جدية من استهداف الأراضي الزراعية المحيطة، والتي تتجاوز مساحتها 2000 دونم وتضم أشجار زيتون معمّرة، بما قد يؤدي إلى عمليات مصادرة إضافية وتخريب للبنية الزراعية القائمة.
كما يهدد هذا التوسع واحداً من أهم الموارد البيئية والمائية في المنطقة، والمتمثل في عين أم الجرب، التي كانت تُستخدم تاريخياً في ري الأراضي الزراعية. وقد أصبحت اليوم ضمن نطاق التأثير المباشر للنشاط الاستيطاني، ما يرفع من مستوى المخاطر على استدامتها وإمكانية الوصول إليها.
وتتخذ هذه البؤرة طابعاً “رعوياً–سكنياً” مركباً، إذ تضم بركسات لتربية المواشي إلى جانب وحدات سكنية، في نمط يعكس استخدام النشاط الرعوي كأداة للتمدد التدريجي والسيطرة على الأراضي المفتوحة.
أفاد المزارع أمجد سليمان قواريق، أحد المتضررين، بأن إنشاء البؤر الاستعمارية الرعوية يمثل “نكسة جديدة” للمزارعين في قرية عورتا، في ظل استمرار منعهم الفعلي من الوصول إلى أراضيهم منذ عام 2023.
وأوضح أن المزارعين كانوا سابقاً يتمكنون من الوصول إلى بعض أراضيهم بحذر، نتيجة وجود امتداد استيطاني مرتبط بمستوطنة “ايتمار”، إلا أن الوضع تغيّر جذرياً بعد التوسع الأخير في البؤر الرعوية، ما عمّق حالة العزل والسيطرة على المنطقة.
وأشار إلى أن الأراضي المحيطة بهذه البؤر مزروعة بأشجار زيتون معمّرة، ما يجعل الوصول إليها أو استغلالها أكثر صعوبة، ويعرضها لخطر الإهمال والتدهور التدريجي. وحذّر من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى فقدان فعلي لهذه الأراضي نتيجة التوسع الاستيطاني وما يرافقه من اعتداءات على الممتلكات الزراعية.
وأكد أن هذه التطورات تمثل ضربة مباشرة للقطاع الزراعي، ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً من حيث العلاقة التاريخية والهوية الزراعية المرتبطة بالأرض.
الأثر البيئي:
أدت التطورات الاستيطانية في منطقة رأس العجل إلى انعكاسات بيئية واضحة على النظام البيئي الزراعي في قرية عورتا. ويُعد أبرز هذه الآثار فقدان جزء كبير من الأراضي الزراعية الفاعلة نتيجة العزل الميداني، ما أدى إلى تعطيل الدورة الزراعية الطبيعية وتراجع استغلال الأراضي المزروعة بالزيتون.
كما أسهمت هذه الإجراءات في إضعاف التنوع الحيوي نتيجة تجزئة النظام البيئي الزراعي إلى جيوب معزولة غير مترابطة. ويضاف إلى ذلك التهديد المباشر للمصادر المائية التقليدية، وعلى رأسها عين أم الجرب، التي أصبحت ضمن نطاق التأثير الاستيطاني المباشر.
كما أن وجود نشاط رعوي مكثف داخل البؤرة الاستعمارية قد يؤدي إلى تدهور التربة والغطاء النباتي نتيجة الضغط غير المنظم، ما يفاقم من تدهور الأراضي على المدى البعيد.
البعد القانوني:
من منظور القانون الدولي الإنساني، تثير هذه الممارسات جملة من الانتهاكات المرتبطة بحماية السكان المدنيين في الأراضي المحتلة، ولا سيما الحق في الملكية الخاصة، والحق في استخدام الأرض، وحماية الموارد الطبيعية.
ويُعد الاستيلاء الفعلي على الأراضي الزراعية أو منع الوصول إليها عبر الحواجز والإغلاقات، شكلاً من أشكال الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات الخاصة، وهو ما تحظره قواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
كما أن إنشاء بؤر استيطانية على أراضٍ خاصة، وما يرافقه من تقييد للحركة وتخريب للممتلكات الزراعية، يُعد تغييراً غير مشروع في الطابع الجغرافي والديمغرافي للأرض المحتلة، ويتعارض مع التزامات القوة القائمة بالاحتلال بعدم تغيير البنية المدنية أو استغلال الموارد الطبيعية بما يضر بالسكان المحليين.
إضافة إلى ذلك، فإن تقييد الوصول إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية يمثل انتهاكاً للحق في المياه والحق في الغذاء والعمل، وهي حقوق مكفولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
معلومات عامة عن قرية عورتا 1:
تقع قرية عورتا على بعد 7كم جنوب شرقي مدينة نابلس وتعتبر قرية عورتا قرية تاريخية وبوابة جنوبية لتلال وجبال جبل النار ويحد القرية شمالاً مدينة نابلس وقرية بيت فوريك ويحدها جنوباً قرية بيتا وأودلا وغرباً قرية حوارة وشرقا قرية عقربا، حيث تطل جبال ومرتفعات القرية على أكثر من 12 قرية فلسطينية بالإضافة إلى مدينة نابلس ويقع جزء من أراضي القرية داخل حدود بلدية نابلس.
تبلغ مساحة أراضي قرية عورتا قرابة (15,051) دونماً، منها 653 دونماً عبارة عن مسطح القرية، وما تبقى من ارض فتشتهر بخصوبتها وتشتهر بالزيتون الرومي القديم الذي يدل على أقدمية وتاريخ هذه القرية وتشتهر أيضا بزراعة القمح والشعير والبقوليات، وبلغ عدد سكان قرية عورتا المتواجدون فيها حاليا قرابة (5,623 نسمة) حسب إحصائيات عام 2007، صادر الاحتلال الإسرائيلي ما مساحته 2,388 دونماً لصالح المستعمرات والاستيطان، يعتمد قسم كبير من أهالي البلدة على الزراعة وتربية الأغنام كمصدر دخل أساسي بالنسبة لهم، حيث توجد في القرية عدد من العائلات التي تشكل القرية وهي: عواد، قواريق، دراوشه، شراب.
1 ( المصدر وحدة نظم المعلومات الجغرافية – مركز أبحاث الأراضي)